الخطيب الشربيني

45

مغني المحتاج

المعتمد كما تقدم في بابه . ( و ) يبطل أيضا خيار المجلس ( بالتفرق ببدنهما ) عن مجلس العقد للخبر السابق . ( فلو طال مكثهما أو قاما وتماشيا منازل دام خيارهما ) وإن زادت المدة على ثلاثة أيام أو أعرضا عما يتعلق بالعقد ، حتى لو تبايع شخصان ملتصقان دام خيارهما ما لم يختارا أو أحدهما ، بخلاف الأب إذا باع لابنه أو اشترى منه وفارق المجلس انقطع الخيار ، لأنه شخص واحد لكن أقيم مقام اثنين ، بخلاف الملتصقين فإنهما شخصان حقيقة بدليل أنهما يحجبان الام من الثلث إلى السدس . ويحصل التفرق بأن يفارق أحدهما الآخر من المجلس ولو ناسيا أو جاهلا وإن استمر الآخر فيه ، لأن التفرق لا يتبعض بخلاف التخاير . وكان ابن عمر راوي الخبر : إذا ابتاع شيئا فارق صاحبه ، رواه البخاري ، وروى مسلم : قام يمشي هنيهة ثم رجع . فإن قيل : قضية ذلك حل الفراق خشية أن يستقيله صاحبه ، وقد قال ( ص ) كما رواه الترمذي وحسنه : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار . ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله . أجيب بأن الحل في الخبر محمول على الإباحة المستوية الطرفين . ولو حمل أحد العاقدين فأخرج من المجلس مكرها بغير حق لم ينقطع خياره لأنه لم يفعل شيئا ، وكذا لا ينقطع خياره إذا أكره على الخروج ولو لم يسد فمه لأن الفعل المكره فعل كلا والسكوت عن الفسخ لا يقطع الخيار كما في المجلس . فإن قيل : قد مر أن الناسي والجاهل ينقطع خيارهما مع تسويتهما للمكره في أبواب كثيرة . أجيب بنسبتهما للتقصير هنا بخلاف المكره ، فإن فارقه الاكراه في مجلس فله الخيار فيه حتى يفارقه ، أو مارا فحتى يفارق مكانه الذي انقطع فيه الاكراه ، وأما صاحبه فإن لم يخرج معه انقطع خياره إلا إن منع من الخروج معه . ولو هرب أحدهما ولم يتبعه الآخر بطل خياره كخيار الهارب ، ولو لم يتمكن من أن يتبعه لتمكنه من الفسخ بالقول ، ولان الهارب فارق مختارا بخلاف المكره فإنه لا فعل له . وقضية التعليل الأول أنه لو لم يتمكن من الفسخ بالقول بقي خياره حتى يتمكن منه . فإن قيل : قياس ما قالوه في الايمان أنه لو حلف لا يفارق غريمه ففارقه غريمه لم يحنث وإن أمكنه متابعته ، أن يكون الحكم هنا كذلك . أجيب بأن الحكم هنا منوط بالتفرق وهو يحصل بوجود الفرقة من كل منهما ، وهناك منوط بالمفارقة من الحالف ، نعم لو قال والله لا تفترق كان الحكم كما هنا ، أما إذا تبعه فالخيار باق ما لم يتباعدا كما حكاه في المجموع عن المتولي وأقره . ويبين هذا التباعد قول البسيط : إن لحقه قبل انتهائه إلى مسافة يحصل بمثلها المفارقة عادة فالخيار باق وإلا فلا أثر للحوقه . ويحمل على هذا أيضا ما نقله في الكفاية عن القاضي من ضبطه يفوق ما بين الصفين ، فالمراد من هذه العبارات واحد . ( ويعتبر في التفرق العرف ) فما يعده الناس تفرقا يلزم به العقد وما لا فلا ، لأن ما ليس له حد شرعا ولا لغة يرجع فيه إلى العرف ، فإن كانا في دار كبيرة فبالخروج من البيت إلى الصحن أو من الصحن إلى الصفة أو البيت ، وإن كانا في سوق أو صحراء أو في بيت متفاحش السعة فبأن يولي أحدهما الآخر ظهره ويمشي قليلا ولو لم يبعد عن سماع خطابه ، وإن كانا في سفينة أو دار صغيرة أو مسجد صغير فبخروج أحدهما منه أو صعوده السطح . ولا يحصل التفرق بإقامة ستر ولو ببناء جدار بينهما ، لأن المجلس باق . وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين أن يبنياه أو يبنى بأمرهما ، وهو كذلك كما صححه والد الروياني واعتمده شيخي وإن جزم الغزالي بالحصول ، وقال الأذرعي : وهو المتجه . ولو تناديا بالبيع من بعد ثبت لهما الخيار وامتد ما لم يفارق أحدهما مكانه ، فإن فارقه ووصل إلى موضع لو كان الآخر معه بمجلس العقد عد تفرقا بطل خيارهما . وقول ابن الرفعة : هذا إذا لم يقصد جهة الآخر وإلا فالذي يظهر القطع بدوام الخيار ، ليس بظاهر . وتقدم في أوائل البيع حكم ما لو تبايعا بالمكاتبة . ( ولو مات ) أحدهما ( في المجلس أو جن ) أو أغمي عليه ( فالأصح انتقاله ) أي الخيار في المسألة الأولى ، ( إلى الوارث ) ولو عاما ( و ) في الثانية والثالثة إلى ( الولي ) من حاكم أو غيره إلى الموكل عند موت الوكيل وإلى السيد عند موت المكاتب أو المأذون له كخيار الشرط والعيب سواء فيه عقد الربا أو غيره . فإن كان الوارث طفلا أو مجنونا أو محجورا عليه بسفه نصب الحاكم من يفعل عنه ما فيه المصلحة من فسخ وإجازة . وعجز المكاتب كموته كما في المجموع . ثم إن كان من ذكر في المجلس ثبت له مع العاقد الآخر الخيار وامتد إلى أن يتفرقا أو